محمد كرد علي

17

خطط الشام

خدمته ، وإن تأخر فأنا أقرر أمور الشام وأتوجه إليكم . ولما انتهى نعيّ عماد الدين إلى صاحب دمشق خف في الحال إلى حصن بعلبك وحصره وكان متوليه نجم الدين أيوب بن شادي والد صلاح الدين يوسف ، فخاف أن لا يتمكن أولاد زنكي من إنجاده بالعاجل فصالح صاحب دمشق وسلم القلعة إليه ، وأخذ منه إقطاعا ومالا وملكه عدة قرى من عمالة دمشق . ولم يكد نور الدين يتربع في دست الحكم بحلب حتى بدت آيات فضله ، وصحة حكمه وعقله وحزمه ، وباستيلائه على الأعمال ظهر نبوغه فدخلت الشام في حياة سياسة جديدة ، بعد تقلقل أمر الدولة الأتابكية بدمشق ، ودخول الوهن على فروعها بزوال أصلها الثابت ظهير الدين طغتكين . وسار نور الدين على قدم أبيه عماد الدين في التقرب من ملوك الأطراف فخطب ابنة معين الدين أتسز الملك الحقيقي لدمشق ، والحاكم المتحكم في سياستها ليتم له بالصهر والقرابة ما كان أبوه يرمي إليه بزواجه بأم شهاب الدين محمود فلم يتم له ، وتزوج نور الدين بعد ذلك بابنة صاحب قونية واقصرا فأمن بهذا الزواج من غارة يغيرها صاحب آسيا الصغرى على الشام ، ومن تسرّب عسكر الصليبيين عن طريق الروم إلى مملكته . بعد أن أصيب جوسلين صاحب الرّها بتمزيق شمل إمارته قبل سنتين على يد عماد الدين زنكي ، جمع الفرنج من كل ناحية وقصد مدينة الرّها على غفلة بموافقة النصارى المقيمين بها فاستولى عليها وقتل من بها من المسلمين . فنهض نور الدين ( 541 ) فيمن انضاف إليه من التركمان فاستعاد البلد وقتل كثيرا من أرمنها ، ومحق السيف كل من ظفر به من نصاراها . واستنجد صاحب دمشق بنور الدين على قتال والي صرخد الذي كان خرج إلى ناحية الفرنج للاستنصار بهم ، فجاء نور الدين في عسكر حسن فاجتمع الجيشان على حلب ، وبلغ صاحبي حلب ودمشق أن الفرنج احتشدوا قاصدين بصري فحال عسكر المسلمين بينهم وبين الوصول إليها ، واستظهر عسكر المسلمين على الفرنج فولوا الأدبار فتسلم صاحب دمشق حصني بصرى وصرخد . الحملة الصليبية الثانية وغزوتها دمشق : وفتح نور الدين في السنة التالية ( 542 ) مدينة ارتاح بالسيف وحصر ثامولة ( ؟ )